قــبـل مــوقــعــة أم درمــان
-
ما أن أنتهت مباراة مصر و الجزائر،حتى اندفع الناس بشكل عفوى الى الشوارع، رجالاً و نساء، محتفلين في ميادين مصر و محافظاتها، رغم أن التأهل الى كأس العالم يلزمه فوز أخر بمباراة فاصلة تعقد في السودان
أما من لم ينزل الى الشارع، فتمركز امام شاشة التلفاز، يستمع الى الاناشيد و الاغانى الوطنية، بعضها يعود تاريخه الى نصر أكتوبر 1973
وكان مستوى الاحتفال في الشارع من الناحية الاخلاقية متميز، فلم تحدث تحرشات جنسية مثل التى حدثت أكثر من مرة في الفترة الاخيرة خلال الأحتفالات بأنتصارات رياضية مماثلة
ولكن ظاهرة الاحتفال نفسه، و الاحتفاء عموماً بالمناسبة استوقفت الكثيرون
وكعادة ديناصورات الوسط الثقافي، تلقى مشجعو كرة القدم محاضرة ساخنة عن مدى تفاهتهم، و أن كرة القدم شئ ليس له قيمة الى أخر المحاضرة التى يمكن لاي صبى في الثانوية العامة أن يسمعها حينما يصر على مشاهدة مباراة هامة عشية اختباره الدراسى الهام
كما خرج علينا جوقة من المتفزلكين من مثقفى الفيس بوك و المنتديات، يخبرونا في محاضرة مماثلة، أن مصر بها مشاكل و قضايا أهم من الأهتمام بمباراة كرة قدم، بل وتمنى بعضهم في حالة من حالات الشذوذ النفسى و الفكري هزيمة مصر في المباراة حتى يلتفت الشعب الى مشاكله الحقيقية، كأنما الفقير سوف ينسى جوعه و فراغ جيبه حينما يسعد قليلاً بفوز المنتخب
ويلاحظ أن كافة الافكار و الأوصاف التى قيلت عن فرحة الشعب المصرى بفوز المنتخب حملت رنة سخرية ، أو استهجان، بل و ربما التحريم ايضاً، حتى اننى لم افرق كثيراً بين الوجوه التى استنكرت البهجة، و بين الوجوه التكفيرية التى تطل علينا يومياً عبر الفضائيات
كأنما هنالك خط حزين و مؤلم و قاتم للشخصية المصرية رسمه هؤلاء، فأتت البهجة مربكة لهذا التصور الساذج، مما تتطلب الهجوم بأقسى صورة على ما يجرى
وبدلاً من فهم ما جرى حقاً، أتى التعالى على ما جرى، ثم أتى اهانته، عبر محاولة توصيف ما يجرى بأنه صورة لتفاهة الشعب، أو ضعفه، أو سخافته، أو تأخره، أو تدنى قدرته، أو عدم قدرته على الفعل أو العمل
ونصب هؤلاء أنفسهم حكام علي سلوك الناس، مطالبين في لحظة من لحظات الشذوذ النفسي و الفكرى و الاجتماعى بخسارة المباراة، حتى لا يغرق الشعب في السعادة بالوصول الي كأس العالم، فينسى مشاكله الرئيسية في ندرة المياة و ارتفاع الاسعار، كأنما الشعب المصرى بهذه السذاجة و الطفولة، بل أننى أجزم أن تلك الفئة الضالة التى اعتنقت تلك الافكار لم تشعر طوال حياتها ابداً بمشاكل المصريين التى يدعون انهم يتحدثون عنها، لأن من يشعر بتلك المشاكل حقاً يدرك بشكل بساطة ان وصول منتخبنا الي كوكب المريخ ذاته غير قادر علي جعلنا ننسى الوبال الذي نعيش فيه
وبعيداً عن كل هؤلاء، الذين خانهم تفكيرهم -رغم ما يدعون من ثقافة- في التواصل وفهم الشعب الذى ينتمون اليه، فأن هنالك سؤال ملح بالفعل في المبالغة التى رأيناها بعد المباراة، خاصة ان المباراة بالفعل لم تؤدى الي تأهلنا للبطولة الأكبر في تاريخ اللعبة
في الواقع أن العقلاء توصلوا منذ سنوات الي سبب، ازعم اننى أراه اليوم في المرتبة الثانية، الا و هو أن هذا الشعب المكبوت يبالغ في التعبير عن السعادة لان السعادة أصبحت عملة نادرة، لان الفرحة لم تعد موجودة
ولكن السبب الرئيسى من وجهة نظرى، أن هذا الشعب يفتقر الي قدوة، رمز يلتف حوله و يمارس عبره وطنيته، فنحن في عصر اختفت فيه القدوة الحسنة، و أصبحت عملة نادرة
ففى سنوات الحكم الملكى حيث كانت البلاد تتمتع بتعدد المنابر الحزبية، كان يمكن لكل مواطن أن يجد قدوة و رمز، سعد زغلول و مصطفي النحاس و مكرم عبيد و أحمد ماهر و محمد حسين هيكل و محمود فهمى النقراشي, و حتى الملك فاروق
و في عصر الرئيسين محمد نجيب و جمال عبد الناصر، كان عصر أبطال الثورة، ويقص لنا كبار السن اليوم كيف انهم علقوا صور أبطال الثورة علي الجدران مثلما يفعل جيل اليوم مع صور نجم النادي الاهلى محمد أبو تريكة، قبل ان يبزغ نجم كاريزما عبد الناصر
وعقب مرحلة عبد الناصر اتت مرحلة أبطال العبور، كما ان الرئيس انور السادات شكل رمزاً مزدوج، فهو رمز للحرب و السلام في نظر مؤيديه، و رمزاً للخيانة في نظر معارضوه، و هكذا كانت تلك المرحلة ايضاً لها رموز بشكل أو باخر
و لكن عقب المشهد الدموي في 6 أكتوبر 1981، لم يستطع النظام الجديد وقتذاك أن يقدم رمزاً وطنياً بديلاً، فأصيب الوجدان الأجتماعى المصرى بأرتباك، و حاول البعض المراهنة على وزير الدفاع عبد الحليم أبو غزالة، الا أن المساحة التى أحتلها ناصر والسادات يوماً كانت أكبر منه رغم كاريزمية أبو غزالة
وعادة في تلك الحالة، يتجه المجتمع الي انتقاء رموز من ساحات اخرى غير الساحة السياسية و الاقتصادية، و هو ما جرى بالفعل منذ عام 1981 و حتى اليوم، و كانت لرياضة كرة القدم النصيب الاكبر، ففى تلك الفترى كان النادى الاهلي يقتحم المضمار الافريقي لكرة القدم للمرة الأولى و يحتكر كأس كئوس أفريقيا، و هكذا أصبح بيبو "محمود الخطيب"رمزاً ساحراً و رقم صعب في معادلة جديدة على المجتمع المصرى
وفي عام 1986 جرى حدثاً كان مفاجأة للنظام الحاكم و علمه الدرس الذي يطبقه حتى اليوم، ففي نهائي كأس الأمم الافريقية التى عقدت بمصر، زحفت الجماهير من كل صوب الي الاستاد وسط دهشة الحكومة، و يمكن لاى متابع للرياضة في مصر أن يقول بكل ثقة أن عصر التشجيع المجنون لكرة القدم بمصر في الاستاذ بدأ عام 1986، و شهدت الشوارع وقتذاك احتفالات قريبة الشبه بما جرى اليوم
الطريف ان طاهر أبو زيد كان يقود في فترة قريبة منتخب الشباب بكأس العالم، و حقق نتائج طيبة و هكذا اصبح طاهر أبو زيد مع محمود الخطيب رموز تلك الحقبة بلا منازع
اذ أن فشل الطبقة السياسية و الاقتصادية علي افراز رمز وطنى يجمع الناس حوله جعل الشعب يبحث في المجال الرياضي، بل و الأدبي و الفنى و العلمى ايضاً، فهنالك من أحتفى فوز يوسف شاهين بالسعفة الذهبية بمهرجان كان دون أن يفهم كلمة من أفلامه، بل أن هنالك من أيد وزير الثقافة فاروق حسنى بانتخابات اليونسكو لمجرد أنه ممثل مصر وقتذاك
ثم جرى تطور أخر هام، اذ شهدت التسعينات انقساماً عربياً شديداً منذ الغزو العراقى للكويت، أنقسام لم يرأب صدعه الا رمز هام اشتعل في اواخر التسعينات، الانتفاضة الثانية، و لكن في عام 1998 أثبتت الرياضة من جديد قدرتها على ان تكون رمز الشعوب، فقد كان المنتخب المصرى يلعب المباراة النهائية في كأس الأمم الافريقية امام منتخب جنوب افريقيا ببوركينا فاسو، فوجئ زعماء الدول العربية و حتى الافريقية، بالجاليات العربية تزحف الي الاستاد، و أعلام سوريا و لبنان و السعودية و العراق يرتفع في الاستاد جنباً الي جنب مع العلم المصري، لقد كان الوجدان العربي يبحث عن شئ ما يجمع الشتات الجارى، شتات الغربة .. و شتات الأمة المنقسمة على نفسها
وحتى في مباراة الجزائر الاخيرة، فوجئت بصديق لى يقطن في غزة الفلسطينة يقسم أن غزة يومها تحولت الي مدينة مصرية خالصة، أعلام مصر في كل مكان و الصيحات بأسم مصر تنطلق من كل صوب وقت المباراة، غزة التى يصنفها السياسيين انها رهينة في يد حركة حماس، تنبض بأسم مصر كما كانت منذ فجر التاريخ
أن البحث عن رمز، أو قدوة، هو دليل على ان روح الأمة لم يقتل بعد، ربما كبل بجنازير الفقر و الانقسام، و عرقل بالدسائس و المكائد، و لكنه مازال يبحث عن شئ يوحده، شئ يهيد له نهضته، لهذا السبب و رغم اخطائه القاتله لا يزال يحتل عبد الناصر مكانه اسطورية في تاريخ الوجدان المصرى، لهذا السبب تدمع عيون البعض كلما تذكروا السادات ونهايته المفجعة، لهذا السبب يتخذ البعض من حماس و حزب الله و حسن نصر الله و أحمدي نجاد رموزاً و قدوة لهم، بل أن الوصول الأسطورى لباراك أوباما الي سدة الحكم في امريكا، ليحقق المستحيل وفقاً للمعايير الامريكية جعل البعض في مصر شديد الانبهار بتجربته، بل و نادت بعض الصحف المصرية بوجود أوباما مصرى مثل هذا الزعيم الاسود، و لعل هذه الظاهرة الاوبامية بالذات منتشرة علي جميع مستوى العالم
في مباراة الجزائر، كان الرمز موجود و حاضر بشدة، المنتخب الذي يمثل مصر، صراحة لن اكلف خاطرى بشرح معنى كلمة ممثل مصر، لان هنالك اشياء اما يشعر بها الفرد و اما انه لا يوجد طائل من محاولة تلقينه المعنى، و لكن الاغلبية الساحقة من شعبنا لازلت تفهم المعنى رغم الانحدار العام الذي نعيشه
في مباراة الجزائر، لم يكن اهتمام الشعب بالمباراة ناتجاً عن تفاهته، أو عدم قدرته على التفاعل الا في مباراة، بل هى وطنية لا تجد الملعب المناسب لكى تعبر عن نفسها، فكان ملعب الرياضة هو المكان المناسب و المؤقت لكل هذا
الغريب انه ضمن الاراء اللولبية التى قرأتها عن المباراة، أن هنالك من راح يمجد الطرف الجزائري قبل و اثناء و بعد المباراة، تجميد لا يخص أدائهم عبر المباراة، بل يخص تعاملهم مع المباراة، كعادة تلك الفئة في الشعور بالضألة امام كل ما هو أجنبي حتى لو كان عربياً، و تجميد كل ما هو غير مصرى لاسباب نفسية بحتة
يقولون ان الشعب بالغ في الاهتمام بالمباراة، بل و أن الحكومة المصرية اعطته الأهتمام الكبير لألهاء الشعب، كأنما – للمرة الثانية – مشاكلنا تلك يمكن أن ننساها أو نتوقف عن التفكير عنها بسبب مباراة ايا كانت
تعالو نرى الطرف الجزائري ماذا فعل من اجل المباراة، لنرى حقاً من الذى اعطى للمباراة فوق حجمها، و من تعامل معها بعصبية و حدة، بل و بجنون صريح
في بادئ الامر و عبر تاريخ مصر الرياضى، لم يعرف عنا قط كرهيتنا لفريق دولة بعينه، او عدم رغبتنا في وجود فريق ما في اي محفل، خاصة اذا ما كنا نتحدث عن دول النطاق العربي او الاسلامي، بينما يعرف اى متابع للوسط الرياضي المصرى ان الوسط الرياضى الجزائري لا يطيق رؤية اي تفوق مصرى في اي مضمار رياضي، و هنالك تلك الواقعة الشهيرة بمباراة مصر مع الجزائر بالجزائر عام 2001 في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2002، و كيف أن الجزائر لم يكن لها ناقة و لا جمل في التفصيات بينما تحتاج مصر الي الفوز لكى تتخطى السنغال للتأهل الي المونديال العالمى، و لكن الجمهور الجزائري استقبل منتخبنا أسوأ استقبال، و قيل للاعبى مصر مباشرة من لاعبو الجزائر وسط المباراة انه اهون على الجزائر رؤية السنغال في المونديال على رؤية مصر، و بالفعل قدمت الجزائر واحدة من اروع مبارياتها و تعادلت مع المنتخب 1/1، لم يكن مطلوب من الجزائر تفويت المباراة، أو التهاون في الاداء، و لكن يفترض بحق الاخوة و بمنطق العقلاء الا يصل الى الي درجة تفضيل رؤية السنغال في كأس العالم بدلاً من مصر.
في كأس النخبة العربية عام 1998 التى اقيمت في تونس، كان الاهلى بحاجة الي الفوز علي فريق مولودية وهران الجزائري بأكبر عدد من الأهداف للفوز بالبطولة، قبل المباراة صرح الطرف الجزائري انه لن يسمح للفريق المصرى بالفوز، و ان الجزائر تفضل ان ترى فريق الافريقي بطل تونس فائزاً بالكأس على ان ترى بطل مصر هو الفائز، غنى عن الذكر ان تلك الروح الاخوية بين اندية تونس و الجزائر لم تكن موجودة قبل او بعد تلك المباراة، المهم ان الفريق الجزائري نجح في الخسارة 2/0 فحسب، ونزل فريق الافريقى لمنازلة فريق الشباب السعودي و كان يكفيه الفوز بأى نتيجة، و لكن يمكرون و يمكر الله، تعادل الشباب السعودى مع الافريقي التونسى 2/2، و عاد الأهلى بالبطولة
في مباراة الذهاب التى اقيمت بين مصر و الجزائر هنالك في التصفيات الجارية حالياً، تم قذف اتوبيس المنتخب بالحجارة في شوارع الجزائر، ثم تواطأ الأمن الجزائري الرسمى مع المشجعين الذين تركوا بيوتهم و سهروا حتى الصباح اسفل نوافذ غرف اللاعبين المصريين، كأنما هؤلاء المشجعون ليس لهم عمل أو مهنة أو دراسة سوف يذهبون لها نهاراً، أو كانهم ضحوا بكل هذا في هذا اليوم لاجل المباراة، و بالطبع سهر الجماهير محدثين أكبر قدر من الضجيج و العربدة اسفل نوافذ اللاعبيين المصريين حتى لا ينعمون بالراحة والنوم لمباراة اليوم التالى، نحن امام حالة من حالات الحرب النفسية هنا
اضافة الي ذلك، أتى التسمم الغذائى الذي حصد عدداً لا بأس به من بعثتنا هنالك، وهو ما جعل بعثة الجزائر و هى قادمة لمباراة السبت الماضى تحضر معها كافة مأكولاتها وحتى زجاجات المياه، ظنناً منهم اننا نحمل نفس الاخلاق وسوف ندس السم في طعامهم
و لنصل الي المحطة الاخيرة، الي مباراة السبت الماضى، بالطبع كان هنالك تجاوزات جرت من الطرف المصرى، و لكن من أخطاً ؟؟، هل يمكن لبضعة جروبات او مجموعات على الفيس بوك ان نقارنها بما فعلته و تفعله و سوف تفعله صحافة الجزائر عن المباراة؟؟
صحافة الجزائر التى فبركت خبر نقل الجثث من مصر الي الجزائر عبر المباراة، صحافة الجزائر التى توعدت المصريين رسمياً بالقتل و الدمار، صحافة الجزائر التى قامت رسمياً بتركيب صور الفنانات المصريات على اجساد لاعبو مصر، في محاولة لاهانتهم، او عشرات المقالات التي دأبت علي سب مصر، كل هذا جرى في صحف الجزائر مقابل بعض جروبات الفتنة في مصر
هذه الجروبات التى لا رعف احد حتى اليوم من فتحها و من ورائها، خاصة ان كل ما بها من تهديدات و وعيد للجزائريين لم ينفذ، بل و الالهم لم يحاول اي طرف تنفيذه كأنم كان الامر محاولة لتهييج المشجع المصرى و جعله يفقد اعصابه
بالتزامن مع هذا، و بينما قام المنتخب بالبعد كل البعد عن كل هذه الاحداث، نجد المنتخب الجزائري يشارك فيها، في رسالة الي الذين قالوا باننا من حمل الامر اكبر من حجمه، المنتخب الجزائري لجأ الي حيلة أستباقية، تهدف الي نشر أخبار كاذبة عن تعرض بعثة الجزائر في مصر الي الاعتداء، حتى اذا ما اتت نتيجة المباراة علي غير هوى الجزائر، رفعت الجزائر القضية الي الاتحاد الدولى من اجل اعادة المباراة بمكان محايد كما جرى مع مصر عام 1993 في مبارتنا مع زيمبابوي المؤهلة الي كاس العالم 1994
و شارك لاعبو الجزائر و الاعلام الجزائري في تلك الاخبار، ففى بادئ الأمر اعلنوا ان اوتوبيسهم الخاص تعرض للقصف بالحجارة، و قام لاعبو الجزائر القادمين في مهمة رسمية بتمثيل بلادهم في مناسبة رياضة هماة بتكسير نوافذ الاوتوبيس بمطارق حملوها معهم، ثم لطخوا انفسهم بسائل أحمر و خرجوا لوسائل الاعلام مخضبين بالدماء، كأنهم شهداء القصف الاسرائيلي الاخير، و كانت المسرحية هزيلة الي درجة ان البعض لطخ ملابسه حتى قدمه بالدماء، كأنما نافورة دماء فتحت عليه من السقف!!
و حاول لاعبو الجزائر بالمباراة اكثر من مرة تفجيرها، خاصة عقب نهاية الشوط الثاني حينما قام عدداً من لاعبو الجزائر بالتعدى بالضرب علي الاعلاميين المصريين، ثم خرجت الصحف الجزائرية تعلن ان الجزائريين يتعرضون للضرب في شوارع القاهرة، وأن المصريين يطاردون الجزائريين من شارع لشارع و من ميدان لميدان!!
ثم اتت الطامة الكبرى، حينما رأى الاعلام الجزائري ان الادعاء بوجود وفيات في المبارة سوف يدعم الموقف الجزائري بطلب اعادة المباراة، خاصة ان ملف المباراة تحت التحقيق بالفعل في الفيفا، و هكذا خرجت الصحف الجزائرية تتحدث عن نعوش جزائرية وصلت الي مطار الجزائر قادمة من مصر، جثث المشجعين الجزائريين المساكين الذين طاردهم المصريين الهمج في كل شوارع مصر
تذكرني صور تلك النعوش، بظاهرة النعوش العائدة من العراق، حينما كان نظام الرئيس العراقي صدام حسين يتسلى بقتل المصريين هنالك – هنالك روايات اخرى عن تورط إيراني في تلك الظاهرة علي خلفية دعم مصر للعراق في حربه مع ايران و لكن التحقيق في هذه الاقوال ليس هدفنا هنا – و رغم فظاعة المأساة، لم نسمع عن الشعب المصرى يقوم بمطاردة العمال العراقيين من محلات عملهم الي مساكن بيوتهم، لم نسمع عن الشعب المصري يقصف السفارة العراقية بالحجارة، أو الشركات العراقية او شركة الطيران العراقية، لم نسمع أو نقرأ عن أي ردة فعل همجية مصرية حيال الوصول المنظم لابنائها في العراق قتلى في نعوش باردة بدون أي تفسير عراقي
اما في الجزائر، فجرى شغب حاول البعض تفسيره علي انه نتيجة الاخبار التى وردت عن النعوش القادمة من مصر، و هو قول أبله جملة و تفصيلاً، اذ أي اجراءات في الدنيا لاخراج جثة أجنبية من اي بلد تستغرق ثلاثة ايام، بل ان جثة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات خرجت من باريس عقب يوم كامل من وفاته
الشغب الجزائري وصل الي حد قيام وزير جزائري بجرة قلم بانهاء لقمة عيش 15 الف مصرى بالجزائر، و بمطاردة حقيقية جرت للمصريين في شوارع الجزائر، من بيت لبيت و من شارع لشارع، بشكل حقيقي لا مجاز فيه، و الصور و الفيديوهات منتشرة بطول وعرض شبكة الانترنت، و اليوم المصريين يعودون من الجزائر في مشهد يعيد للاذهان المصريين العائدين من الخليج فور اندلاع الحرب بين العراق والكويت
من الذي اعطى هنا المباراة اكبر من حجمها ؟؟ مصر ام الجزائر؟؟ المصريين ام الجزائريين ؟؟
من الذي تفرغ لافساد مباراة ؟ من الذي راح يحسب حسابات للمرحلة الثانية والثالثة والرابعة ؟؟
بل ان الاعلام الجزائري حتى لحظة كتابة تلك السطور يحاول الوقيعة بين الجمهور المصري و السودانى في السودان، رغبة في اشعال انقلاب داخل الشارع السوداني المؤيد للمنتخب المصرى بحق التاريخ و الحضارة المشتركة، و جعل الجمهور السودانى ينقلب على المنتخب المصري و يشجع نظيره الجزائري وسط المباراة
ان مفردات النقاش التى تجرى اليوم علي الساحة الرياضية و الفكرية المصرية بوجه عام ، تثبت مراراً عجز المثقف المصرى في فهم رجل الشارع البسيط، و تثبت ان المثقف العاجز يحاول تصدير عجزه الي رجل الشارع، و ذلك بالقول ان تلك الاحتفالات تعبر عن عجز الناس على العمل او الفرحة او الانجاز
و اخيراً، أن التفاف الشعب المصرى حول منتخبه القومى، لانه الرمز الوطنى، يثبت فشل النظام الحاكم في تسويق نفسه لكى يحتل تلك المكانة، التى يفترض علي رأس النظام نفسه ان يكون صاحبها، أن الالتفاف المصرى حول المنتخب يثبت – كما جرى مراراً – عدم ثقة الشعب بالنظام السياسي و الاقتصادي الحالى، و عدم رضى الشعب عن الوجوه الحاكمة لهذا النظام الي درجة ان رحلة البحث عن قدوة او رمز داخل اورقة هذا النظام منذ عام 1981 و حتى اليوم .. باتت بالفشل
أما من لم ينزل الى الشارع، فتمركز امام شاشة التلفاز، يستمع الى الاناشيد و الاغانى الوطنية، بعضها يعود تاريخه الى نصر أكتوبر 1973
وكان مستوى الاحتفال في الشارع من الناحية الاخلاقية متميز، فلم تحدث تحرشات جنسية مثل التى حدثت أكثر من مرة في الفترة الاخيرة خلال الأحتفالات بأنتصارات رياضية مماثلة
ولكن ظاهرة الاحتفال نفسه، و الاحتفاء عموماً بالمناسبة استوقفت الكثيرون
وكعادة ديناصورات الوسط الثقافي، تلقى مشجعو كرة القدم محاضرة ساخنة عن مدى تفاهتهم، و أن كرة القدم شئ ليس له قيمة الى أخر المحاضرة التى يمكن لاي صبى في الثانوية العامة أن يسمعها حينما يصر على مشاهدة مباراة هامة عشية اختباره الدراسى الهام
كما خرج علينا جوقة من المتفزلكين من مثقفى الفيس بوك و المنتديات، يخبرونا في محاضرة مماثلة، أن مصر بها مشاكل و قضايا أهم من الأهتمام بمباراة كرة قدم، بل وتمنى بعضهم في حالة من حالات الشذوذ النفسى و الفكري هزيمة مصر في المباراة حتى يلتفت الشعب الى مشاكله الحقيقية، كأنما الفقير سوف ينسى جوعه و فراغ جيبه حينما يسعد قليلاً بفوز المنتخب
ويلاحظ أن كافة الافكار و الأوصاف التى قيلت عن فرحة الشعب المصرى بفوز المنتخب حملت رنة سخرية ، أو استهجان، بل و ربما التحريم ايضاً، حتى اننى لم افرق كثيراً بين الوجوه التى استنكرت البهجة، و بين الوجوه التكفيرية التى تطل علينا يومياً عبر الفضائيات
كأنما هنالك خط حزين و مؤلم و قاتم للشخصية المصرية رسمه هؤلاء، فأتت البهجة مربكة لهذا التصور الساذج، مما تتطلب الهجوم بأقسى صورة على ما يجرى
وبدلاً من فهم ما جرى حقاً، أتى التعالى على ما جرى، ثم أتى اهانته، عبر محاولة توصيف ما يجرى بأنه صورة لتفاهة الشعب، أو ضعفه، أو سخافته، أو تأخره، أو تدنى قدرته، أو عدم قدرته على الفعل أو العمل
ونصب هؤلاء أنفسهم حكام علي سلوك الناس، مطالبين في لحظة من لحظات الشذوذ النفسي و الفكرى و الاجتماعى بخسارة المباراة، حتى لا يغرق الشعب في السعادة بالوصول الي كأس العالم، فينسى مشاكله الرئيسية في ندرة المياة و ارتفاع الاسعار، كأنما الشعب المصرى بهذه السذاجة و الطفولة، بل أننى أجزم أن تلك الفئة الضالة التى اعتنقت تلك الافكار لم تشعر طوال حياتها ابداً بمشاكل المصريين التى يدعون انهم يتحدثون عنها، لأن من يشعر بتلك المشاكل حقاً يدرك بشكل بساطة ان وصول منتخبنا الي كوكب المريخ ذاته غير قادر علي جعلنا ننسى الوبال الذي نعيش فيه
وبعيداً عن كل هؤلاء، الذين خانهم تفكيرهم -رغم ما يدعون من ثقافة- في التواصل وفهم الشعب الذى ينتمون اليه، فأن هنالك سؤال ملح بالفعل في المبالغة التى رأيناها بعد المباراة، خاصة ان المباراة بالفعل لم تؤدى الي تأهلنا للبطولة الأكبر في تاريخ اللعبة
في الواقع أن العقلاء توصلوا منذ سنوات الي سبب، ازعم اننى أراه اليوم في المرتبة الثانية، الا و هو أن هذا الشعب المكبوت يبالغ في التعبير عن السعادة لان السعادة أصبحت عملة نادرة، لان الفرحة لم تعد موجودة
ولكن السبب الرئيسى من وجهة نظرى، أن هذا الشعب يفتقر الي قدوة، رمز يلتف حوله و يمارس عبره وطنيته، فنحن في عصر اختفت فيه القدوة الحسنة، و أصبحت عملة نادرة
ففى سنوات الحكم الملكى حيث كانت البلاد تتمتع بتعدد المنابر الحزبية، كان يمكن لكل مواطن أن يجد قدوة و رمز، سعد زغلول و مصطفي النحاس و مكرم عبيد و أحمد ماهر و محمد حسين هيكل و محمود فهمى النقراشي, و حتى الملك فاروق
و في عصر الرئيسين محمد نجيب و جمال عبد الناصر، كان عصر أبطال الثورة، ويقص لنا كبار السن اليوم كيف انهم علقوا صور أبطال الثورة علي الجدران مثلما يفعل جيل اليوم مع صور نجم النادي الاهلى محمد أبو تريكة، قبل ان يبزغ نجم كاريزما عبد الناصر
وعقب مرحلة عبد الناصر اتت مرحلة أبطال العبور، كما ان الرئيس انور السادات شكل رمزاً مزدوج، فهو رمز للحرب و السلام في نظر مؤيديه، و رمزاً للخيانة في نظر معارضوه، و هكذا كانت تلك المرحلة ايضاً لها رموز بشكل أو باخر
و لكن عقب المشهد الدموي في 6 أكتوبر 1981، لم يستطع النظام الجديد وقتذاك أن يقدم رمزاً وطنياً بديلاً، فأصيب الوجدان الأجتماعى المصرى بأرتباك، و حاول البعض المراهنة على وزير الدفاع عبد الحليم أبو غزالة، الا أن المساحة التى أحتلها ناصر والسادات يوماً كانت أكبر منه رغم كاريزمية أبو غزالة
وعادة في تلك الحالة، يتجه المجتمع الي انتقاء رموز من ساحات اخرى غير الساحة السياسية و الاقتصادية، و هو ما جرى بالفعل منذ عام 1981 و حتى اليوم، و كانت لرياضة كرة القدم النصيب الاكبر، ففى تلك الفترى كان النادى الاهلي يقتحم المضمار الافريقي لكرة القدم للمرة الأولى و يحتكر كأس كئوس أفريقيا، و هكذا أصبح بيبو "محمود الخطيب"رمزاً ساحراً و رقم صعب في معادلة جديدة على المجتمع المصرى
وفي عام 1986 جرى حدثاً كان مفاجأة للنظام الحاكم و علمه الدرس الذي يطبقه حتى اليوم، ففي نهائي كأس الأمم الافريقية التى عقدت بمصر، زحفت الجماهير من كل صوب الي الاستاد وسط دهشة الحكومة، و يمكن لاى متابع للرياضة في مصر أن يقول بكل ثقة أن عصر التشجيع المجنون لكرة القدم بمصر في الاستاذ بدأ عام 1986، و شهدت الشوارع وقتذاك احتفالات قريبة الشبه بما جرى اليوم
الطريف ان طاهر أبو زيد كان يقود في فترة قريبة منتخب الشباب بكأس العالم، و حقق نتائج طيبة و هكذا اصبح طاهر أبو زيد مع محمود الخطيب رموز تلك الحقبة بلا منازع
اذ أن فشل الطبقة السياسية و الاقتصادية علي افراز رمز وطنى يجمع الناس حوله جعل الشعب يبحث في المجال الرياضي، بل و الأدبي و الفنى و العلمى ايضاً، فهنالك من أحتفى فوز يوسف شاهين بالسعفة الذهبية بمهرجان كان دون أن يفهم كلمة من أفلامه، بل أن هنالك من أيد وزير الثقافة فاروق حسنى بانتخابات اليونسكو لمجرد أنه ممثل مصر وقتذاك
ثم جرى تطور أخر هام، اذ شهدت التسعينات انقساماً عربياً شديداً منذ الغزو العراقى للكويت، أنقسام لم يرأب صدعه الا رمز هام اشتعل في اواخر التسعينات، الانتفاضة الثانية، و لكن في عام 1998 أثبتت الرياضة من جديد قدرتها على ان تكون رمز الشعوب، فقد كان المنتخب المصرى يلعب المباراة النهائية في كأس الأمم الافريقية امام منتخب جنوب افريقيا ببوركينا فاسو، فوجئ زعماء الدول العربية و حتى الافريقية، بالجاليات العربية تزحف الي الاستاد، و أعلام سوريا و لبنان و السعودية و العراق يرتفع في الاستاد جنباً الي جنب مع العلم المصري، لقد كان الوجدان العربي يبحث عن شئ ما يجمع الشتات الجارى، شتات الغربة .. و شتات الأمة المنقسمة على نفسها
وحتى في مباراة الجزائر الاخيرة، فوجئت بصديق لى يقطن في غزة الفلسطينة يقسم أن غزة يومها تحولت الي مدينة مصرية خالصة، أعلام مصر في كل مكان و الصيحات بأسم مصر تنطلق من كل صوب وقت المباراة، غزة التى يصنفها السياسيين انها رهينة في يد حركة حماس، تنبض بأسم مصر كما كانت منذ فجر التاريخ
أن البحث عن رمز، أو قدوة، هو دليل على ان روح الأمة لم يقتل بعد، ربما كبل بجنازير الفقر و الانقسام، و عرقل بالدسائس و المكائد، و لكنه مازال يبحث عن شئ يوحده، شئ يهيد له نهضته، لهذا السبب و رغم اخطائه القاتله لا يزال يحتل عبد الناصر مكانه اسطورية في تاريخ الوجدان المصرى، لهذا السبب تدمع عيون البعض كلما تذكروا السادات ونهايته المفجعة، لهذا السبب يتخذ البعض من حماس و حزب الله و حسن نصر الله و أحمدي نجاد رموزاً و قدوة لهم، بل أن الوصول الأسطورى لباراك أوباما الي سدة الحكم في امريكا، ليحقق المستحيل وفقاً للمعايير الامريكية جعل البعض في مصر شديد الانبهار بتجربته، بل و نادت بعض الصحف المصرية بوجود أوباما مصرى مثل هذا الزعيم الاسود، و لعل هذه الظاهرة الاوبامية بالذات منتشرة علي جميع مستوى العالم
في مباراة الجزائر، كان الرمز موجود و حاضر بشدة، المنتخب الذي يمثل مصر، صراحة لن اكلف خاطرى بشرح معنى كلمة ممثل مصر، لان هنالك اشياء اما يشعر بها الفرد و اما انه لا يوجد طائل من محاولة تلقينه المعنى، و لكن الاغلبية الساحقة من شعبنا لازلت تفهم المعنى رغم الانحدار العام الذي نعيشه
في مباراة الجزائر، لم يكن اهتمام الشعب بالمباراة ناتجاً عن تفاهته، أو عدم قدرته على التفاعل الا في مباراة، بل هى وطنية لا تجد الملعب المناسب لكى تعبر عن نفسها، فكان ملعب الرياضة هو المكان المناسب و المؤقت لكل هذا
الغريب انه ضمن الاراء اللولبية التى قرأتها عن المباراة، أن هنالك من راح يمجد الطرف الجزائري قبل و اثناء و بعد المباراة، تجميد لا يخص أدائهم عبر المباراة، بل يخص تعاملهم مع المباراة، كعادة تلك الفئة في الشعور بالضألة امام كل ما هو أجنبي حتى لو كان عربياً، و تجميد كل ما هو غير مصرى لاسباب نفسية بحتة
يقولون ان الشعب بالغ في الاهتمام بالمباراة، بل و أن الحكومة المصرية اعطته الأهتمام الكبير لألهاء الشعب، كأنما – للمرة الثانية – مشاكلنا تلك يمكن أن ننساها أو نتوقف عن التفكير عنها بسبب مباراة ايا كانت
تعالو نرى الطرف الجزائري ماذا فعل من اجل المباراة، لنرى حقاً من الذى اعطى للمباراة فوق حجمها، و من تعامل معها بعصبية و حدة، بل و بجنون صريح
في بادئ الامر و عبر تاريخ مصر الرياضى، لم يعرف عنا قط كرهيتنا لفريق دولة بعينه، او عدم رغبتنا في وجود فريق ما في اي محفل، خاصة اذا ما كنا نتحدث عن دول النطاق العربي او الاسلامي، بينما يعرف اى متابع للوسط الرياضي المصرى ان الوسط الرياضى الجزائري لا يطيق رؤية اي تفوق مصرى في اي مضمار رياضي، و هنالك تلك الواقعة الشهيرة بمباراة مصر مع الجزائر بالجزائر عام 2001 في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2002، و كيف أن الجزائر لم يكن لها ناقة و لا جمل في التفصيات بينما تحتاج مصر الي الفوز لكى تتخطى السنغال للتأهل الي المونديال العالمى، و لكن الجمهور الجزائري استقبل منتخبنا أسوأ استقبال، و قيل للاعبى مصر مباشرة من لاعبو الجزائر وسط المباراة انه اهون على الجزائر رؤية السنغال في المونديال على رؤية مصر، و بالفعل قدمت الجزائر واحدة من اروع مبارياتها و تعادلت مع المنتخب 1/1، لم يكن مطلوب من الجزائر تفويت المباراة، أو التهاون في الاداء، و لكن يفترض بحق الاخوة و بمنطق العقلاء الا يصل الى الي درجة تفضيل رؤية السنغال في كأس العالم بدلاً من مصر.
في كأس النخبة العربية عام 1998 التى اقيمت في تونس، كان الاهلى بحاجة الي الفوز علي فريق مولودية وهران الجزائري بأكبر عدد من الأهداف للفوز بالبطولة، قبل المباراة صرح الطرف الجزائري انه لن يسمح للفريق المصرى بالفوز، و ان الجزائر تفضل ان ترى فريق الافريقي بطل تونس فائزاً بالكأس على ان ترى بطل مصر هو الفائز، غنى عن الذكر ان تلك الروح الاخوية بين اندية تونس و الجزائر لم تكن موجودة قبل او بعد تلك المباراة، المهم ان الفريق الجزائري نجح في الخسارة 2/0 فحسب، ونزل فريق الافريقى لمنازلة فريق الشباب السعودي و كان يكفيه الفوز بأى نتيجة، و لكن يمكرون و يمكر الله، تعادل الشباب السعودى مع الافريقي التونسى 2/2، و عاد الأهلى بالبطولة
في مباراة الذهاب التى اقيمت بين مصر و الجزائر هنالك في التصفيات الجارية حالياً، تم قذف اتوبيس المنتخب بالحجارة في شوارع الجزائر، ثم تواطأ الأمن الجزائري الرسمى مع المشجعين الذين تركوا بيوتهم و سهروا حتى الصباح اسفل نوافذ غرف اللاعبين المصريين، كأنما هؤلاء المشجعون ليس لهم عمل أو مهنة أو دراسة سوف يذهبون لها نهاراً، أو كانهم ضحوا بكل هذا في هذا اليوم لاجل المباراة، و بالطبع سهر الجماهير محدثين أكبر قدر من الضجيج و العربدة اسفل نوافذ اللاعبيين المصريين حتى لا ينعمون بالراحة والنوم لمباراة اليوم التالى، نحن امام حالة من حالات الحرب النفسية هنا
اضافة الي ذلك، أتى التسمم الغذائى الذي حصد عدداً لا بأس به من بعثتنا هنالك، وهو ما جعل بعثة الجزائر و هى قادمة لمباراة السبت الماضى تحضر معها كافة مأكولاتها وحتى زجاجات المياه، ظنناً منهم اننا نحمل نفس الاخلاق وسوف ندس السم في طعامهم
و لنصل الي المحطة الاخيرة، الي مباراة السبت الماضى، بالطبع كان هنالك تجاوزات جرت من الطرف المصرى، و لكن من أخطاً ؟؟، هل يمكن لبضعة جروبات او مجموعات على الفيس بوك ان نقارنها بما فعلته و تفعله و سوف تفعله صحافة الجزائر عن المباراة؟؟
صحافة الجزائر التى فبركت خبر نقل الجثث من مصر الي الجزائر عبر المباراة، صحافة الجزائر التى توعدت المصريين رسمياً بالقتل و الدمار، صحافة الجزائر التى قامت رسمياً بتركيب صور الفنانات المصريات على اجساد لاعبو مصر، في محاولة لاهانتهم، او عشرات المقالات التي دأبت علي سب مصر، كل هذا جرى في صحف الجزائر مقابل بعض جروبات الفتنة في مصر
هذه الجروبات التى لا رعف احد حتى اليوم من فتحها و من ورائها، خاصة ان كل ما بها من تهديدات و وعيد للجزائريين لم ينفذ، بل و الالهم لم يحاول اي طرف تنفيذه كأنم كان الامر محاولة لتهييج المشجع المصرى و جعله يفقد اعصابه
بالتزامن مع هذا، و بينما قام المنتخب بالبعد كل البعد عن كل هذه الاحداث، نجد المنتخب الجزائري يشارك فيها، في رسالة الي الذين قالوا باننا من حمل الامر اكبر من حجمه، المنتخب الجزائري لجأ الي حيلة أستباقية، تهدف الي نشر أخبار كاذبة عن تعرض بعثة الجزائر في مصر الي الاعتداء، حتى اذا ما اتت نتيجة المباراة علي غير هوى الجزائر، رفعت الجزائر القضية الي الاتحاد الدولى من اجل اعادة المباراة بمكان محايد كما جرى مع مصر عام 1993 في مبارتنا مع زيمبابوي المؤهلة الي كاس العالم 1994
و شارك لاعبو الجزائر و الاعلام الجزائري في تلك الاخبار، ففى بادئ الأمر اعلنوا ان اوتوبيسهم الخاص تعرض للقصف بالحجارة، و قام لاعبو الجزائر القادمين في مهمة رسمية بتمثيل بلادهم في مناسبة رياضة هماة بتكسير نوافذ الاوتوبيس بمطارق حملوها معهم، ثم لطخوا انفسهم بسائل أحمر و خرجوا لوسائل الاعلام مخضبين بالدماء، كأنهم شهداء القصف الاسرائيلي الاخير، و كانت المسرحية هزيلة الي درجة ان البعض لطخ ملابسه حتى قدمه بالدماء، كأنما نافورة دماء فتحت عليه من السقف!!
و حاول لاعبو الجزائر بالمباراة اكثر من مرة تفجيرها، خاصة عقب نهاية الشوط الثاني حينما قام عدداً من لاعبو الجزائر بالتعدى بالضرب علي الاعلاميين المصريين، ثم خرجت الصحف الجزائرية تعلن ان الجزائريين يتعرضون للضرب في شوارع القاهرة، وأن المصريين يطاردون الجزائريين من شارع لشارع و من ميدان لميدان!!
ثم اتت الطامة الكبرى، حينما رأى الاعلام الجزائري ان الادعاء بوجود وفيات في المبارة سوف يدعم الموقف الجزائري بطلب اعادة المباراة، خاصة ان ملف المباراة تحت التحقيق بالفعل في الفيفا، و هكذا خرجت الصحف الجزائرية تتحدث عن نعوش جزائرية وصلت الي مطار الجزائر قادمة من مصر، جثث المشجعين الجزائريين المساكين الذين طاردهم المصريين الهمج في كل شوارع مصر
تذكرني صور تلك النعوش، بظاهرة النعوش العائدة من العراق، حينما كان نظام الرئيس العراقي صدام حسين يتسلى بقتل المصريين هنالك – هنالك روايات اخرى عن تورط إيراني في تلك الظاهرة علي خلفية دعم مصر للعراق في حربه مع ايران و لكن التحقيق في هذه الاقوال ليس هدفنا هنا – و رغم فظاعة المأساة، لم نسمع عن الشعب المصرى يقوم بمطاردة العمال العراقيين من محلات عملهم الي مساكن بيوتهم، لم نسمع عن الشعب المصري يقصف السفارة العراقية بالحجارة، أو الشركات العراقية او شركة الطيران العراقية، لم نسمع أو نقرأ عن أي ردة فعل همجية مصرية حيال الوصول المنظم لابنائها في العراق قتلى في نعوش باردة بدون أي تفسير عراقي
اما في الجزائر، فجرى شغب حاول البعض تفسيره علي انه نتيجة الاخبار التى وردت عن النعوش القادمة من مصر، و هو قول أبله جملة و تفصيلاً، اذ أي اجراءات في الدنيا لاخراج جثة أجنبية من اي بلد تستغرق ثلاثة ايام، بل ان جثة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات خرجت من باريس عقب يوم كامل من وفاته
الشغب الجزائري وصل الي حد قيام وزير جزائري بجرة قلم بانهاء لقمة عيش 15 الف مصرى بالجزائر، و بمطاردة حقيقية جرت للمصريين في شوارع الجزائر، من بيت لبيت و من شارع لشارع، بشكل حقيقي لا مجاز فيه، و الصور و الفيديوهات منتشرة بطول وعرض شبكة الانترنت، و اليوم المصريين يعودون من الجزائر في مشهد يعيد للاذهان المصريين العائدين من الخليج فور اندلاع الحرب بين العراق والكويت
من الذي اعطى هنا المباراة اكبر من حجمها ؟؟ مصر ام الجزائر؟؟ المصريين ام الجزائريين ؟؟
من الذي تفرغ لافساد مباراة ؟ من الذي راح يحسب حسابات للمرحلة الثانية والثالثة والرابعة ؟؟
بل ان الاعلام الجزائري حتى لحظة كتابة تلك السطور يحاول الوقيعة بين الجمهور المصري و السودانى في السودان، رغبة في اشعال انقلاب داخل الشارع السوداني المؤيد للمنتخب المصرى بحق التاريخ و الحضارة المشتركة، و جعل الجمهور السودانى ينقلب على المنتخب المصري و يشجع نظيره الجزائري وسط المباراة
ان مفردات النقاش التى تجرى اليوم علي الساحة الرياضية و الفكرية المصرية بوجه عام ، تثبت مراراً عجز المثقف المصرى في فهم رجل الشارع البسيط، و تثبت ان المثقف العاجز يحاول تصدير عجزه الي رجل الشارع، و ذلك بالقول ان تلك الاحتفالات تعبر عن عجز الناس على العمل او الفرحة او الانجاز
و اخيراً، أن التفاف الشعب المصرى حول منتخبه القومى، لانه الرمز الوطنى، يثبت فشل النظام الحاكم في تسويق نفسه لكى يحتل تلك المكانة، التى يفترض علي رأس النظام نفسه ان يكون صاحبها، أن الالتفاف المصرى حول المنتخب يثبت – كما جرى مراراً – عدم ثقة الشعب بالنظام السياسي و الاقتصادي الحالى، و عدم رضى الشعب عن الوجوه الحاكمة لهذا النظام الي درجة ان رحلة البحث عن قدوة او رمز داخل اورقة هذا النظام منذ عام 1981 و حتى اليوم .. باتت بالفشل

