Saturday, April 25, 2009

أصل و صورة

أصـل و صـورة
{ قصة قصيرة }
-

توقفت أنفاس العاملين في تلك الصحيفة المعارضة الشهيرة فور رؤيتهم لرئيس التحرير و هو يعبر مدخل الجريدة مسرع الخطى , و ألقى التحية بشكل سريع قبل أن يدخل مكتبه و يغلق الباب خلفه في قوة
و هنا فقط تنفس الناس الصعداء , و بدأ كل منهم في العودة إلى عمله مرة أخرى , خاصة أن العدد الأسبوعي من الجريدة سوف يصدر اليوم التالي
واحد فقط من هؤلاء لم يتخوف من هذه اللحظة بل دهش لها .. المحرر الجديد نائل الذي سارع فوراً إلى زميلته ميادة ليسألها عن حالة الصدمة و الرعب اللتان أصابتا العاملين بالجريدة فور مجئ رئيس تحريرها فإذا بوجه ميادة ينقبض و تضع أصبعها على فمها قائلة له :" اصمت تماما ً .. أنت لا تعرف رئيس التحرير
تعجب نائل , و تحركت الغريزة الصحفية بداخله فسارع إلى زميل آخر و سأله السؤال ذاته , و رد زميله و هو ينظر إلى الباب المغلق :" أنت لا تعرف كيف يعاملنا الأستاذ , سوف ترى بنفسك بعد قليل فموعد الاجتماع الأسبوعي سوف يكون بعد ساعة
و بالفعل لم تكد تمر ساعة واحدة إلا و كان مجلس تحرير الجريدة يجتمع , إضافة إلى المحررين القدامى و الجدد دفعة واحدة , حيث جلس رئيس التحرير على مقعده الوثير و بدأ الحوار بعبارته التي اعتاد افتتاح تلك الجلسات بها .. " ها يا شباب .. من لديه طلب أو مداخلة في صالح الجريدة ليتفضل بالحديث قبل حتى أن أتحدث أنا
بدأ أحد الصحفين الكلام بالقول :" السيد رئيس قسم التحقيقات تلقى وعداً صريحاً منك منذ شهرين بأن يصبح مساعد لرئيس التحرير , و هو ما لم ينفذ رغم خلو هذا المنصب , و الرجل يهدد بالاستقالة " .. اشتعل وجه رئيس التحرير غاضبا ً , و ضرب منضدة الاجتماعات بكلتا قبضتيه قائلا ً :" نحن لا نخضع لتهديد أو ابتزاز .. من يريد الاستقالة فليفعلها فورا ً دون ان يسعى إلي اللعب بها , منصب مساعد رئيس التحرير منصب مهم , و لا يزال زميلك هذا بحاجة إلى أن يصقل من قدراته حتى يعي مهام هذا المنصب الذي يطالب به " .مالت ميادة على أذن نائل قائلة :" الكل يعرف أن الأستاذ لم يعين أحداً في هذا المنصب , بل إن منصب نائب رئيس التحرير يحتله زميل دمية لا يكتب إلا مقالاً كل موسم , فالاستاذ لا يريد أي منافس له في هيئة التحرير , و يقضي على كل قلم يصبح منافساً له بالجريدة
و هنا تعالى صوت زميل آخر محدثا ً رئيس التحرير قائلا ً له :" كان هنالك اتفاق على أن يكون لنا نسبة من الإعلانات الضخمة التي تأتي للجريدة و لـكـنـنـا لم نحصد إلا الفتات " .التفت إليه رئيس التحرير بغضب هادر و صرخ في وجهه قائلاً :" فتات ؟؟ .. فتات !! .. لا يوجد أي ميثاق بالنقابة أصلا ينص على أن يحصل الصحفي على نسبة من الإعلانات , وأنا ملتزم بقرارات النقابة حتى لا نضع أنفسنا تحت مقصلة الحكومة
سارعت ميادة بالرد على رئيس التحرير في أذن نائل قائلة :" النقابة التي يتحدث عنها راح يهاجمها مرارا ً عبر صفحات الجريدة , دعك أساسا ً من أنه لا يوجد أي ميثاق ينظم العلاقة بين الصحفي و الجريدة و كل جريدة حرة , و جرى العرف في كل الصحف التي أعرفها على أن يحصل الصحفيون الأكفاء على نسبة من الإعلانات , دعك من كلمة مقصلة الحكومة فالرجل يظن أن كل شيء هنا يسجل و ينقل إلى الحكومة علما ً بأن مجلس النقابة أصلا كله من صحفيي المعارضة , باختصار .. حصول أي محرر منا و لو على نسبة 1 بالمائة من الإعلانات يعني أنها سوف تخصم من نسبته الكبري
قبل ان تكمل همسها كان زميل اخر قد بدأ في توجيه كلامه الي رئيس التحرير قائلا :" نود ان نعرف متى ينضم المحررين الجدد الى النقابة , فقد فتح الباب مرارا و أنتم لا تتقدمون بلوائحكم إلى النقابة ؟ "و صاح زميل آخر قبل أن يبدأ رئيس التحرير في الحديث :" هنالك مشكلة أخري , باستثناء اسم رئيس التحرير و بعض المسئولين عن الأقسام لا يكتب رؤساء باقي الأقسام أو مديرو التحرير فما هو السبب ؟ " نظر لهم رئيس التحرير بإشفاق مستفز و قال موجها ً حديثه للمحرر الأول :" لا يزال مستواكم المهني سيئاً للغاية لكي تلتحقوا بالنقابة , اضافة إلى أنني أثق في أن النقابة سوف ترفضكم مما يعني فضيحة لي و للجريدة
لاحقته ميادة فوراً بالهمس إلى نائل :" و إذا كان هؤلاء مستواهم هكذا فلما يبقيهم في الجريدة ؟ , السبب الحقيقي أن دخول هؤلاء النقابة يعني الزام الجريدة بحد معين من المرتبات لهؤلاء و هو ما يهز مركز الأستاذ المالي لدى مجلس الإدارة
في تلك الأثناء كان رئيس التحرير يرد على الزميل الثاني :" ماذا تريد ؟؟ إعلان إو لافتة بأسماء كل العاملين بالجريدة بداية من السيد الأستاذ المهندس رئيس مجلس الإدارة و انتهاءً بعامل الكافيتريا هنا ؟ "و قبل حتى أن تعاود ميادة الهمس في أذن نائل كان رئيس التحرير قد صاح بصوت جهوري " هل هنالك أي طلبات أخرى ؟ "لم يجب احدً من الحاضرين فقال رئيس التحرير :" انتهى الاجتماع
تساءل نائل في قرارة نفسه مندهشا ً من طبيعة هذا الاجتماع , إذ كان يفترض للرجل أن يقول كلمة عقب اقتراحات الزملاء التي رفضها جميعاً , و في طريقه إلى مكتبه قابل ميادة فسألها ضاحكاً :" ألا يوجد لك تعليق على الإجابة الأخيرة ؟ " و قبل أن تجيبه ميادة كان زميل آخر يقف بالقرب منهم يقول :" بالطبع يا عزيزي .. الرجل لا يريد من لأي شخص أن يظهر بجانبه
و في داخل الغرفة المغلقة كان رئيس التحرير منهمك في كتابة مقاله الأسبوعي ..صمت برهة محاولا ً الوصول إلى عنوان المقال فلم يجد إلا كلمة واحدة
الديكتاتور
و بدأ يكتبإن الديكتاتورية الحكومية الجاثمة على صدورنا تمنع أي تقدم أو تنمية أو رخاء في هذا الوطن , ضحكوا علينا بالحوار و إذا به حوار كاذب ،الغرض منه جرجرة المعارضة إلى مائدة المفاوضات لرفض مطالبها و قلب المنضدة عليها ..يمنعون أي صوت آخر يكون في الساحة بجانبهم , فلا يريدون إلا أن يكونوا هم الموجودين على الساحة فحسب ..جرى العرف من أي نظام .. سواء أكان ديموقراطياً أو شمولياً أن يعوض المواطن عن عدم ممارسته حقه في الرأي والتعبير بحياة كريمة على المستوى المادي أو الأدبي ..و لكن ماذا فعل هؤلاء لنا ؟؟ .. مرتبات هزيلة و سحق أي فرصة أو فكرة لكي نحصل على مرتبات أفضل من تلك ..و على المستوى الأدبي وضعونا خارج دائرة الضوء .. نحن في الظل .. مهما حدث لا يقبلون بأن يكون لنا اسم في المعادلة أو اسم تحت الشمس
بلغ انفعال رئيس التحرير في تلك المرحلة أشده فإذا بدمعة تقفز من عينه لتسقط علي الورقة بينما هو يتمتم بصوت منخفض .. ألا من رحمة ترحمنا من تلك الديكتاتورية

7 comments:

معتز المصرى said...

صباح الخير

كيف هى الأحوال عزيزى إيهاب !!
لى الشرف بالطبع أن أكون أول من يرد هنا على القصة ..

أولاً الإسلوب حسبما أظن مشابه لإسلوبى فى الكتابة لذا شعرت بعدم غربة و انا أقرأ ..
و لربما لتشابه الموقف ذاته مع قصة كتبتها .. لا أقصد التفاصيل و لكن مشهد إجتماع لرئيس تحرير جريدة مع الصحفيين .. لذا لم أشعر بالغربة نهائياً و أنا أقرأ القصة و لربما كان هذا أحد الأسباب الملحة لإستكمال قراءة القصة ..

لدى هاجس قوى بأن بالقصة إسقاطات ما ... لا أقصد أنها على عملك أنت شخصياً و لكن ربما على شخص أو حدث بعينه واقعى ..

للأسف هذه الإزدواجية التى تتحدث عنها أصبحت فى كل مكان ... فى الصحف أو الأحزاب و بالذات المعارضة بشكل قوى ..

مبدأ لا تعارضونا و لكن لنعارض نحن !

لدى مأخذ على القصة هو أننى فى واقع الأمر لم أرتبط بأى شخصية أو احداث فى القصة و لكن المعنى كان أقوى .. لم يشعرنى هذا بضيق كبير و لكنى من شخصياً من النوع الذى يفضل الإرتباط بالأحداث و الشخصيات حتى و إن كانت فى قصة قصيرة ..
أفضلها بها حركة لا جامدة ..

إن كان لى أى رأى و نسيت كتابته سأعرضه هنا بالتأكيد

معتز المصرى

Mysara said...

قصة جميلة يا إيهاب وإن كانت في رأيي أقرب إلى مقال أقرب منها إلى قصة..

أعجبني الإسقاط فيها بشدة، لكني مندهش من ذلك الاسم الذي اخترته للصحفي..

هناك ألف اسم واسم في الكون فلماذا (نائل)؟

تحياتي

د. محمد الدسوقي said...

سيب لنا حاجة ناكل منها عيش جنبك يا راجل ..

تحياتي لقلمك المتنوع يا بيبو ..
ولا تتوقف أرجوك

ayman_elgendy said...

أخي أيهاب

بين الهامش ... أصل وصورة ...وعبارات وعبرات اذا جاز لي التعبير النهاية لأقصوصتك .... بلغ انفعال رئيس التحرير في تلك المرحلة أشده فإذا بدمعة تقفز من عينه لتسقط علي الورقة بينما هو يتمتم بصوت منخفض .. ألا من رحمة ترحمنا من تلك الديكتاتورية
.....نلمح تفاصيل تلكم الازدواجية ...دعنا نسميها الانفصام ....والتي اشار اليها الاخ معتز
ذاك الديكتاتور والذي يتحكم سلطوياً في مرؤؤسيه في مهنة اقل ما يدعي عنها ولها وفيها بالحرية ...الصحافة...الحرية رفيقة الصحافة...كما ان الصحافة وليدة الحرية...ورغم ذلك نلمح سيطرة النسق السلطوي القمعي علي انظمة العمل في مجتمعنا الشرقي او العربي او المصري ....اين كان...بل وعلي انظمة الحياة عموما

أستاذ ايهاب

أري قصتك القصيرة تحمل الكثير والكثير وان كان لي ان اعلق عليها فليس لي تعليق سوي ان تلك القصة تحتاج لأن تصبح رواية تستطيع ايضاح الوجه الواقعي لذاك الر ئيس ومرؤؤسيه ويرتع قلمك لقليل من الحرية في قضية شائكة تثيرها انت في اقصوصتك الرهيفة

خالص مودتي

فلنتواصل

we2am said...

يا نهار أسود يا إيهاب
الصحافة المصرية المستقلة راحت ف داهية!!
:S :S
سيبك من أسلوبك جميل طبعاً
:)

Ahmed Adel El-Feky said...

قالها لك الدسوقى

لا تتوقف أرجوك

:)

إسماعيل said...

العنوان نفسه يناسب القصة بشـــــــدة.

الصورة التي تبدو، والأصل الذي يختفي عن عيون الناس.

كأنها صورة تراها من بعيد رائعة، لكن القريبون منها يدركون العيوب الكثيرة التي توجد في الصورة.

الإزدواجية تنتشر بسرعة في المجتمع الآن، على طريقة: "ليس من المهم أن أكون، بل المهم أن أبدو".

أجدت التعبير عن هذه الحال في القصة، وإن كنت أظن أنك كتبتها وأنت في ذهنك شخص أو موقف معين حدث بالفعل.

النموذج الذي أوجدته في قصتك يستحسن - بكل تأكيد- أن يبقى في مركزه هذا، وألا يتقدم أبدًا في حياته..لأنه ما إن يصل لمنصب مرموق سيكون أسوأ من كل من سبقوه.

تحياتي على هذه القصة عالية المستوى

إسماعيل