-
كنت واحداً ممن دافعوا عن أهلية الدكتور محمد البرادعي للترشح في أنتخابات الرئاسة المقبلة، و لازلت أعتنق الفكرة ذاتها، من منطلق أن سجل الرجل مشرف للغاية، فالرجل يحظى بعلاقات متميزة مع الحزبين الكبيرين في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن له علاقات فوق العادة مع إيران، مما يحرك المياة الراكدة بين القاهرة وطهران، أضافة الى ذلك فأن ملفه يحتوى الكثير والكثير من الأسباب التى تؤهله لكى يصبح رئيساً للجمهورية.
يأتى ذلك في وقت يرى فيه البعض أن الرجل ليس لديه أدنى خبرة، بل ويظن البعض انه درجة الدكتوراه التى ينالها تدور حول الطاقة الذرية، وهو أمر غير صحيح ويمكن مطالعة صفحة الرجل على الموسوعة الحرة سواء باللغة العربية أو الأنجليزية من أجل تبين مسيرته الطويلة في السلك الدبلوماسى والسياسة الدولية.
ولكن .. منذ فترة وهنالك ملكيين أكثر من الملك بدأوا يتحدثون عن البرادعي بشكل أكبر من قدرات الأخير، بل و اعتقد أنه في مرحلة ما سوف يشعر البرادعي أن هؤلاء أثقلوا كاهله بما لا يحتمل و سوف يؤدى الامر الى بضعة خطوات الى الوراء من قبل البرادعي، مما يعنى وقتذاك صدمة العمر لهؤلاء المطبلين.
أولاً علينا أن ندرك أن محمد البرادعي طوال السنوات الماضية كان يدور في فلك النظام، واحداً من رجال الشرف في الحزب الحاكم، أذ نادراً ما يتولى مصرى مسئولية دولية ما لم يكن مرضى عنه داخل بلده مهما بدا الأمر عكس ذلك لان هذه القاعدة من أبجديات العمل الدبلوماسى في العالم أجمع، و بالتالى فأن فكرة أن نرى معارضة حقيقة وقوية من البرادعي للحزب الوطنى هى إحلام يقظة.
ومع ذلك فأني لست ضد فكرة أن يقوم واحداً من المحسوبين على النظام بقيادة فيلق من المعارضة أو حتى المعارضة بأسرها، فقط أوضح أن سجل الرجل خالى من المعارضة.
ثانياً .. البرادعى لن يترشح في انتخابات الرئاسة المقبلة الا اذا قبل أن يكون مرشحاً لواحدة من الدكاكين الحزبية المسماه بالاحزاب، أو أن تحدث معجزة وتضغط الأدارة الأمريكية على الحكومة المصرية من اجل فتح الباب للمستقلين للترشح، و بالتالى فأن "تشجيع" البرادعى من الأن و حتى أنتهاء الأنتخابات الرئاسية هو مضيعة للوقت وتفريغ طاقة المعارضة في اتجاه لن يفضى الى شئ.
ثالثاً حتى لو ترشح البرادعي فأنه لن يفوز، لانك يا عزيزي تعيش في بلد نسبة الأمية والفقر و انهيار التعليم و البنية التحتي فيها اعلى من قيم الديموقراطية و حقوق الانسان و التعددية الحزبية الخ .. الانتخابات لدى غالبية المصريين موسم يتكور في ايده ورقة أم خمسين جنيه عشان يدخل يبصم على الرمز المطلوب منه أن يختاره، هذا لو تم الأخذ أساساً بالورقة التى سوف يبصم عليها.
رابعاً .. حتى فكرة التمثيل المشرف و الفكر الذى يظن أن "تشجيع" البرادعى لمدة عامين سوف يقلق النظام و يجعله يدرك ان هنالك منافس .... الخ كلام غير واقعى، فالحكومة المصرية لديها ضمانات دولية تكفل استمرارها، ولديها شبكة ولاءات وضمانات داخل مؤسساتها تكفل لها تأمين هذا الاستمرار.
خامساً .. سيناريوهات الأهتمام الأمريكي والدولى بما يجرى داخل مصر كما جرى في الانتخابات البرلمانية و الرئاسية السابقة لن يتكرر على الاقل خلال ادارة باراك اوباما، أدارة أوباما دمها خفيف على قلب الحكومة المصرية، اغلقت ادارة اوباما ومن قبلها ادارة بوش الابن في عامها الأخير ملف الاصلاح المصرى، و أتى أوباما وهو يريد شرق أوسط مستقر من أجل تأمين خروج قواته من العراق ثم افغانستان وتصفية الصراع الفلسطينى – الاسرائيلي الى جانب "شئ ما" يتم تحضيره لإيران، ومصر "المستقرة" ركن هام في أجندة أوباما، وما زيارة و خطاب القاهرة ألا ضربة البداية التى عززت التفاهم بين القاهرة و واشنطن في هذا الصدد، و بالتالى فأن أى منافسة جادة في انتخابات الرئاسة و البرلمان المقبلتين سوف تقابل بعنف و ضراوة و سحل على مرأى ومسمع من اوباما دون أن يتحرك أو يقول شئ، ربما تحت ضغط من الجمهوريين يقول كلمة أو اثنتين وقتذاك.
سادساً .. مرشح الحزب الوطنى في الانتخابات المقبلة سوف يفوز .. وسوف يكون الرئيس الحالى، فلا داع لان يذهب فكر البعض الى التكهن بوجود مرشح آخر.
سابعاً .. حتى الان لم يقدم البرادعى برنامجاً سياسياً يرضي طموحات الشعب الحقيقة ويمكن أن يقلق النظام الحاكم، أى حديث عن أصلاحات دستورية و قانونية أو حتى تغيير النظام كلام غير مهم للطبقة الوسطى و الطبقة الحاكمة، رغم اننى اتمنى ان يكون لديها دستور و أحزاب حقيقية .... الخ و لكنى كواحد من الطبقة الوسطى أريد حاكماً يعالج البطالة و الفقر و انهيار القطاع التعليمي و المواصلات و الصرف الصحى و قطاع المياه و الغلاء و ارتفاع تكاليف الزواج .. معذرة اعرف ان نسبة كبيرة من قارئى هذا الكلام سوف يستخفون به، وربما اسمع كلام على غرار احنا بنتكلم عن الحرية والديموقراطية وانت بتتكلم عن سعر الزيت و السكر و الدواء في مصر ؟؟!!
هذه هى مشاكل السكان الأصليين لمصر .. الناس مش هتتعالج بالديموقراطية ومش هتتجوز حقوق الانسان، ومش هتاكل من الاحزاب ومش هتتعلم صح لما الجوقة الحاكمة تذهب وياتى فريق جديد يكمل سيناريوهات الفريق القديم بكل أناقة
اى تغيير اجتماعى او سياسى عبر التاريخ يبدأ من القاعدة الشعبية .. عندنا القاعدة الشعبية منهكة و مكبلة و اسيرة الفقر والأمية والغلاء و انهيار مرافق الدولة و بنيتها التحتية
واى واحد في المعارضة عمره ما يصل صوته الى الطبقة الوسطى .. صانعة الزعماء .. او يقلق النظام الا لو فعلاً التفت الى مشاكل الشعب الحقيقية و من ثم وجد لها الحلول اولاً..
البلد محتاجة ثورة .. و لكن ثورة أجتماعية و فكرية و ثقافية
ثورة ضد الأمية و الغلاء و الفقر
هذا الكلام قلته عام 2007 أبان التعديل الدستورى اياه و اعيد الحديث مرة أخرى و أثق اننى سوف أعيده مراراً دون جدوى على مدار عمرى
بالعودة الى البرادعى، الرجل برغم انفه سوف يتحول الى سبوبة محترمة للجميع، صحافة الحكومة تريد ان تثبت لسادتها يومياً انها مخلصهم لهم الى الأبد، وهكذا تم تقطيع أوصال البرادعي منذ اليوم الأول، أما صحافة ما يسمى بالمعارضة – راجع الفصل الاول من كتابى الجمهورية المظلومة – وجدتها لقمة عيش تكمل بها خطاب الصوت العالى الذى يجذب القراء و لم تنس تلك الصحافة أن تقص لنا حواديت المؤامرات الحكومية حيال البرادعى ، ثم رقعت أحدى تلك الصحف الأفيه المحترم و قالت أن الحكومة سوف تحارب ظاهرة البرادعى بأحمد زويل
طبعا غنى عن التعريف أن زويل شخص غير مرحب به في أورقة الحكومة لألف سبب وسبب، و وقف ضد مشاريع جامعته العلمية كافة رجالات الحكومة سواء في حكومة عاطف عبيد أو أحمد نظيف، و الرجل – زويل – لا يتحرك في مصر اليوم الا وفقاً لحصانته الدولية كمستشار علمى للرئيس الأمريكي، و لكن لان الرجل – زويل – يتحدث عن مشروعات علمية و يتحدث عن الفقر و البطالة و احترام المؤسسات العلمية و اعادة الهيبة و الاحترام و الانضباط الى العملية التعليمية في مصر، كلها قضايا تخيف النظام لذا كان يجب سابقاً أن يخرج زويل من الصورة، و اليوم ما هى الا بضعة سنوات ويخرج زويل من البيت الابيض و يعود شخصاً غير مرحب به.
في رأيي أن الخطاب التنويرى و السياسى و الأصلاحى لزويل أكثر فاعلية من البرادعى حتى الان، و اتذكر بكل أسى ما أقرأه مراراً بأن البروفيسور أحمد زويل رجل علم و لا يصلح كرجل سياسية، جاهلون من يقولون هذا، متخلفون عن قضايا الشرق الاوسط من يقولون هذا، البروفيسور حاييم وايزمان أول رئيس لاسرائيل كان عبرقية في الفيزياء والرياضة و استخدم هويته العلمية للتقرب من زعامات الدنيا، بعيداً عن وايزمان فأن هنالك عشرات الحالات في التريخ التى مارس فيها رجال العلم السياسة، و حتى في عصرنا الحاضر
ولكن أكبر المستفيدين من البرادعى هو النظام، فالرأى العام سوف يتابع فيلم البرادعى لمدة عامين كاملين، منشغلاً عن قضايا سياسية أخرى يمكن أن تكون افضل نفعاً للجميع، بل ومن يدرى ربما يكون البرادعى هو المحلل الذى يمر عبره مشروع التوريث.
أتنى ان يكون كلامى واضحاً، حتى لا نفاجأ بمن يحشد الناس لاستقبال البرادعى في المطار اليوم بأنهم من يسبونه غداً، أتمنى من مشجعو البرادعى الأتخاذ خطوة واحدة الى الخلف لرؤية المسرح بشكل أوضح، لاننى و بكل أسف ارى سيناريو البرادعى 2011 هو التطور الطبيعى لسيناريو أيمن نور 2005.
إيــهــاب عــمــر

2 comments:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شكرا يا ايهاب على المقال
تحليلك رائع استمتعت بقراءته
واتفق معك بشدة في غياب مفاهيم كثيرة عن النسبة الغالبة من الناس وعلى رأس تلك المفاهيم الديموقراطية وحقوق الانسان واساليب الحكم الرشيد
ولكن اختلف معك في عدم تقديرك لأهمية تلك القيم واستبعادها من حل المشاكل المزمنة التي ضربت بها المثل كسعر زجاجة الدواء مثلا
الديموقراطية هي الحل لأنها تكفل حسن إدارة مواردك وتمكن الشعب من حساب مسئوليه الفاشلين
ولكي تحصل على الديموقراطية لابد من اصلاح التعليم
التعليم التعليم التعليم
هو أساس أي حاجة في أي بلد
ولذا اعتقد ان اي شخص في العالم يدعي انه يملك حلا سحريا لما نحن فيه فهو لا يدري عم يتكلم
طريق التغيير طويل ولكن هذا لا ينبغي ان يكون عذرا لقعودنا عن سلوكه
تعليق بسيط علي نقطة أحمد زويل و صلاحيته لممارسة السياسة و التشبيه بحاييم وايزمان:
طبقاً لويكيبيديا، حاييم وايزمان لم يستطع حضور المؤتمر الصهيوني الأول 1897 بسبب مشاكل في السفر إلا أنه حضر كل المؤتمرات التالية. في عام 1902 أسس مؤسسة منفصلة عن هرتزل (الحزب الديمقراطي الصهيوني) تدعم قضية إسرائيل، و صار رئيساً لإسرائيل عام 1949. بعبارة أخري، الرجل مارس السياسة قبل أن يصير رئيساً لما يقرب من 50 عاماً، و لم يكتف أحد بكونه عالم كيمياء مرموق.
لا إعتراض لدي علي أفكار أحمد زويل و لكنه يجب أن يجيد السياسة (الداخلية و الخارجية) لكي يستطيع تنفيذ أفكاره. إن صار رئيساً فلا أعتقد أنه سيتمكن من تنفيذ أفكاره. ربما يصلح مستشاراً علمياً، وزيراً للتعليم، الخ، و لكن ليس رئيساً للجمهورية لأن هناك أشياء أخري بخلاف التعليم علي رئيس الجمهورية أن يديرها (مثل الإقتصاد، العلاقات الخارجية، التسليح، المشكلات الإجتماعاية، الخ).
حين تحدث محمد حسنين هيكل مع الخميني و قال له أنت رجل دين لا تملك معرفة بالسياسة تمكنك من إدارة شئون الدولة قال له و أنتم كذلك يحكمكم عسكريون ليست لهم معرفة بالسياسة. الآن لا نريد أن نكرر الخطأ بشكل ثالث، بدلاً من رجال الدين و العسكريين نأتي بالعلماء ليحكموا البلاد.
Post a Comment